أحمد ايبش
140
دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى
ثم يقسم النهر أربعة : اثنان عن اليمين واثنان عن الشمال ، مرفوعان على مجرى النهر في قرارة الوادي ، دائمة بمقسم معلوم . وعليه ألفاف البساتين ممتدّة من الجانبين ، إلى أن يمرّ على المكان المسمّى بالرّبوة . وقد بنى الملك العادل الشهيد نور الدّين محمود بن زنكي ، رحمه اللّه ، بها المقام المعروف بمهد عيسى « 1 » . يقال إن مريم أوت إليه بولدها عيسى عليه السّلام ، وإن هذه الرّبوة هي المعنيّة بقوله تعالى : وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ . ومنظر هذا الوادي [ ط 2 / 439 ] من أعجب المناظر لتراكم الظلّ والماء ، وإظلال الشّمس والهواء ، وافتراش الجبلين المحدقين به في أرضه بالبنفسج ، تحت الأشجار المتمايلة على غصون البان ، تتفتّح بينهما خدود الورد ، وتفترّ مباسم الياسمين ، وتندلق ألسن السّوسن ، ويتجاوب فيها هدير الماء والحمام ، [ ص 165 ب ] وتتلاقى خيول النّسيمين : الطائر من الشّمال على منابت الشّيح ، ومن القبلة على الحدائق الفيح . وإلى جانب هذا الوادي ، في قبليّه بشمال ، سطح « 2 » يمتدّ على ظاهر المزّة كأنه قطعة بيداء مقفرة ينبت بها الشّيح والقيصوم ، وتتلاعب بها الصبّا والدّبور ، عرفت بصحّة الهواء وفسحة الفضاء ، فطاب به ما جاورها ، وصحّ لأجله ما قاربها .
--> ( 1 ) ذكر العمري مهد عيسى بالرّبوة في الجزء الأول من كتابه ، 1 : 206 - 208 ، لكن لم أنقل ذلك هنا على اعتباره يقتصر على المرويات الدّينية دون وصف ؛ وانظر رحلة ابن بطوطة أدناه ، وهو معاصر للعمري ؛ والإشارات إلى معرفة الزّيارات للهروي ، 11 . ( 2 ) يرد ذكر « سطح المزّة » موضع استسقاء أهل دمشق في مصادر العهد المملوكي بالقرنين الثامن والتاسع للهجرة ، كتاريخ ابن قاضي شهبة ويوميّات الشّهاب ابن طوق وكتب ابن طولون لكن المراد به كان مبهما ، إلى أن وضّحه لنا العمري هنا . ويمكننا تحديده للمرّة الأولى بأنه شرقي المزّة القديمة ، بما يشمل السّيلون ( مشفى المواساة ) وساحة المواساة وأول طريق الشيخ سعد ومبتدأ الطريق الآخذ إلى أوتوستراد المزّة وكفرسوسة جنوبا ، وإلى الجمارك شرقا . ويلاحظ بوضوح أن قرية المزّة القديمة تنخفض فعلا عن هذا السّطح .